الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

285

نفحات القرآن

وتحدثت الآية الثالثة عن أبناء آدم « هابيل » و « قابيل » عندما تقبّل اللَّه قربان هابيل بسبب إخلاصه ولم يتقبّل قربان قابيل لعدم اخلاصه فيه ، فتأججت نار الحسد في قلب قابيل وهدد أخاه بالقتل ، فقال هابيل إن قصدت قتلي فإنني لن أفعل ذلك لأنني أخاف اللَّه ، ثم أضاف : « انَّى ارِيدُ انْ تَبُوأَ بِاثْمى وَاثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ اصْحَابِ النَّارِ » . وهذا يدل على أنّ مسألة المعاد كانت من الأمور البديهية لدى أولاد آدم منذ ذلك الزمان ، لذا هدد هابيل أخاه قابيل بعذاب اللَّه في الدار الآخرة . و « بَوَأَ ، تبوءَ » من مادة « بواء » ، قال الراغب في المفردات : هي في الأصل بمعنى السطح الصقيل ، وتقابلها « نبوة » التي بمعنى السطح غير الصقيل ، لذا عندما يقال بوّأتُ مكاناً فهذا يعني ساويت له سطح المكان . وتأتي هذه الكلمة أحياناً بمعنى الإقامة وملازمة المكان أيضاً ، لأنّ الإنسان إذا ما أراد أن يقيم في مكانٍ ما فإنّه ينظم سطحه ويساويه ، وقد فسروا هذه الآية بهذا المعنى أيضاً . لكن صاحب « المصباح المنير » فسّرها بمعنى الاعتراف وحمل العبء الكبير ، أمّا صاحب المقاييس فقد ذكر لها معنيين هما : عودة الشيئين ، وتساوي الشيئين . وقال صاحب كتاب « التحقيق » ، إنّ الأصل فيها هو ( السفول ) والانحطاط ، وعدّ جميع المعاني الأخرى من المجاز واعتبرها من لوازم المعنى الحقيقي ، وطبقاً لهذا المعنى يصبح مفهوم الآية المعنية بالبحث : إنّي أريد أن تسقط من ساحة الرحمة الإلهيّة بإثمك وإثمي . وتتبع موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن المجيد والمصادر الأخرى يؤيد ما ذكره صاحب المقاييس من أنّ هذه الكلمة لها مفهومان وكلا المفهومين ينطبقان على الآية المعنية ، فطبقاً للمعنى الأول تصبح الآية بهذا المعنى : « إنّي أريد أن تعود ( إلى اللَّه ) وأنت تحمل إثمك وإثمي » ، وطبقاً للمعنى الثاني تصبح بهذا المعنى : « إنّك تعدّ مكاناً لنفسك بارتكابك هذا الإثم وحملك إثمي » . وهنا يطرح هذا السؤال المهم : ما هو المراد من ذنب هابيل الذي قُتِلَ على يد أخيه حتى يثقل كاهل أخيه ؟ وكيف يمكن قبول هذا الحديث أساساً مع أنّ الآية تقول : « الَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ